الاغتراب في فيلم “حينما كانت مارني هناك”

When_Marnie_Was_There_Screenshot_0033

يبدأ الفيلم المُقتبس عن رواية تحمل العنوان ذاته، بمشهد للشخصية الرئيسة «آنّا» وهي تحاول الرسم وحيدة وسط ملعب مليء بالطلبة والأطفال وتفكّر في وجودها قائلة «في هذا العالم توجد دائرة سحرية، هؤلاء الناس يعيشون داخل الدائرة وأنا أقبع خارجها، لكن ذلك لا يهمني». وهنا من المشهد الأول يُسلّط الضوء على طبيعة آنّا المُنعزلة والكئيبة، ويبدو ذلك جليًّا بالانتباه إلى تعابير وجهها الجامد.

تميل آنّا للرسم للتعبير عن مشاعرها التي لا تُظهرها، دائمًا ثمّة طريقة نحاول فيها قول الأشياء دون الحاجة إلى الكلام. من الواضح أنّ آنّا تفتقد القدرة على التفاعل مع العالم الخارجي ولا تحاول تكوين الصداقات بل لعلّها ترفضها، وشيئًا فشيئًا يتلاشى الناس من حولها فلا ترى سوى المنظر الطبيعي الذي تحاول رسمه.

إنّ مشكلة آنّا الأسياسية ليست رفضها للعالم، بل عدم قبولها لذاتها، وإنّ رفض الذات هو أسوأ من رفضك للعالم من حولك. يتبيّن لنا أن مُعظم المشاكل والاضطرابات التي تعانيها الشخصية بدأت منذ الطفولة، حيث تعاقبت الأحداث التعيسة في طفولة آنّا والتي كما نرى شكّلت جزءًا كبيرا من شخصيتها.

whenn

لعلّ أهم ما يميّز القصة هو التطرق للوعي عند الإنسان، بالذات في الجزء المتعلّق بذكريات الإنسان السحيقة وترسّبها في الجزء اللاواعي مما يجعلنا نتذبذب بين عالمين، عالم واقعي وعالم تصنعه ذكرياتنا وخيالاتنا. فحين تنتقل آنّا لمنطقة ريفية كي تتعافى جسديًّا ونفسيًّا نجد أول مكان تكتشفه «قصر مارني المهجور» على البحيرة، يتحوّل من مكان مهجور إلى مكان صاخب بالاحتفالات ومغامرات مارني وآنّا؛ مارني التي يلّف ظهورها الغموض فلا نستطيع تحديد ما إن كانت شخصية حقيقية أو اختلقتها آنّا لحاجتها للرفقة وتلافي وحدتها والعثور أخيرًا على شخص يمكنها أن تثق به.

تبكي آنّا في المشهد الذي تشعر فيه بخذلان مارني، هنا مشكلة داخلية أخرى تعلق آنّا تحت سطوتها، الخوف من تخلّي الآخرين عنها الشيء الذي تتابع حدوثه في حياتها على الأقل من منظورها الشخصي حتى كوّن عٌقدةً يصعُب حلّها.

weeeen

العديد من المشاهد صوّرت شعور الوِحدة تصويرًا بديعًا، وهذا ليس مستغربًا من ستديو جيبلي، حيثُ تظهر الأماكن الشاسعة وآنّا تقف وسطها وحيدة. إلى جانب ذلك التعمّق في الجانب النفسي وتأثيره على الأحلام فكانت مُعظم أحلام «آنّا» تصوّر الغرق والضياع الذي تصارعه في واقعها. يحبس الاكتئاب رغبة آنّا في ممارسة أي نشاط يجبرها على الاختلاط بالآخرين وحين تُجبر على ذلك فإن جانبًا حادًّا ينكشف من شخصيتها الساكنة.

إنّ شعور الاغتراب هو أوضح المشاعر المطروحة في هذا العمل، فكانت مساعي آنّا هي العثور على أرضٍ صلبة تقف عليها، مكان يمكنها الشعور بأنها حقيقةً تنتمي إليه. فهذا ليس عملًا مليئًا بالأحداث المتتابعة ولكن عمل فني بديع يحلل نمو علاقة وارفة بين شخصيتين تعانيان فراغًا ووحدة، ومن السهل ملاحظة تطور شخصية آنّا باحتكاكها بمارني التي لا يُمكننا الجزم ما إن كانت شبحًا أو حقيقة.

الفيلم روحاني وتتمازج البيئة والخلفيات مع شعور آنّا فتارةً تعصف العواصف الرمادية وتفقد الطبيعة ألوانها وتارةً نرى العشب يشعّ اخضرارًا ويبرق مع الشروق بعد ليلة ماطرة. ثمّة جمالية في نهاية الفيلم تذكَرني بفلسفة «الوابي-سابي» اليابانية وهي التصالح مع الحياة بكل فصولها والتصالح مع مرور الزمن ومع الرحيل والوداع.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s