نَحنُ نَتشكّل مِن الحكايات

صورة1

«احكِ لي حِكاية وإلا مُتّ».. لطالما علِقتْ في ذهني هذه الجُملة مِن رواية «تلك العتمة الباهرة» حينَ طلبَ أحد المساجين مِنْ «سليم» أن يواصل رواية الحكايات لهم. هذه الحكايات التي كانتْ وسيلة لعيشهم في تلكَ العتمة. رُبما بدا هذا التَعلّق منذ سنواتِ الطفولة تحديدًا من المسلسل الكرتوني “حكايات عالمية” أعتقد أنّ كل الحكايات التي قرأتها أو سمعتها كوّنت جزءًا كبيرًا مني.

لعلّ الحكايات مِن أهم الجوانب في جميع مراحِلنا العُمريّة، ونحنُ بحاجةٍ لاستمرارِ هذه الحكايات لنحيا رُبما دونَ أن ننتبه لذلك.

فهل تُعالج أدمغتنا الأحداث التي نقرأها أو نراها كما تُعالِج الأحداث التي نواجهها في الواقِع؟ أو على الأقل تُكسبُنا بَعضًا مِن المعرفةِ والخبرة مِن خلال تجارب أبطالها؟ يتَطلّبُ السؤال الأول أمورًا علميّة للإجابة، إلا أنني أؤمن بصحّة الثاني. إنّ جُزءًا كبيرًا مِن خبرتنا حول العالم اكتسبناه بوعيٍّ ودون وعيّ مِنْ الحكايات التي عرفناها. الحكايات التي لم نكن جُزءًا منها لكننا كُنا أكثر من ذلك، كُنا مُراقبينَ مِن الخارج للصورة الكُليّة التي يعيشها هؤلاء الأبطال. إنّ نوعَ الوجود الذي تمنحنا إياه الحكايا هو نوعٌ عميق يُعزّز معرفتنا وإدراكنا للواقع وشكل الأمور من حولنا، حتى لو كانت تلكَ الحكايات لا تبدو واقعيةً وتدور حول التنانيين والأبطال الخارقين.

الحكايات عبرَ العصور

صورة2

صورة مِن كَهف «شوفييه» تصوّر وحيد القرن

بَدأت الحكايات مُنذُ بَدء الوجود البَشريّ، بل ولعلّها كانتْ ولا تزالُ عُنصرًا ضروريًّا لبقائنا. فنحنُ لا نُدرك أنفسنا والعالم مِنْ حولنا بمخاطِره أو مباهجه دونَ أنْ نتناقل القِصص، سواءً تلكَ الواقعية التي حدَثت بالفعلِ لنا أو ما سِواها. تركَ لنا الناسُ مِنْ عصورِ الكهوفِ رسومًا ونقوشًا تحتملُ تأويلاتٍ عِدّة، إلا أنّها وبشكلٍ واضحٍ تُحاول أن تحكي شيئًا ما، لا نعرف على وجه التأكيد ما هو ولأي غايّةٍ حُفِرَ أو رُسِم. عُثِر في كهف «شوفيه» في فرنسا – والذي صُنّف ضِمنَ قائمة التُراث العالمي لليونسكو- على رسومٍ يُرجَّح أنها تَعودُ إلى ما قبلَ 30,000 سنة. تُصوّر هذه الرسوم حيواناتٍ مِثلَ الماموثِ ووحيدٍ القرنِ وبعض وسائل البقاء في ذلكَ الزمن، غالبًا ما تُشير الرسوم إما إلى رسائلٍ تحذيرية أو طقوس احتفالات.

 فيما بَعد سُخّرِت جهودٌ لتفكيك رموز الكتاباتِ المسماريّة والهيروغليفية، وكانَ أهم ما عُثِر عليه من هذه القصص هي «ملحمةُ جلجامش» والتي نُقشِتْ بخطٍ مسماريّ على اثني عشرَ لوحًا طينيًّا ويُرجّحَ أنها تعود للحقبةِ السومريّة. أظن أنّ سبب عدم وصول كثير مِنْ الحكايات السالفة إلينا كون القُدماء كانوا مُنحازين للسردِ القصصي الشفهي. أما بالنسبةِ للكتابات الهيروغليفية والتي تُعد مِنْ أقدمِ اللغاتِ البشرية حيثُ يعودُ تاريخها إلى 5000 آلافِ عام، فيُمكننا مُلاحظةُ أنّ إنسان تلكَ العصور كان يعتمدُ على الصور واللغةِ البصرية، فكانَ التعبيرِ بالرسومِ في محاولاتٍ لنقلِ أساليب النجاةِ والكِتابة الدينيّة وتعريفُ المقابر.

تنجو أجيالٌ لاحقة أحيانًا لسببٍ وحيد، هو تناقُل حكايات الأسلاف وتلافي الوقوع في نفس الأخطاء، ومعرفة الطرق الأمثل للتكيّف والنجاة.

«الخيال أهم مِنْ المعرفة»

صورة3

حَسبَ اينشتاين فإنّ الخيال يجيء أولًا، قُدرتكَ على تخيّل أمرٍ لا تستطيع رؤيته هي حتمًا الأساس لمعرفتهِ، إنّ إدراكنا عادةً لا يتعلّق بالأمور المرئية والملموسة أمامنا، ولكنْ بالأشياء التي لا نراها، أو ما خلفَ الأشياء التي نراها. يعتقد البعض أنّ انغماسنا في الخيال والقِصص يُحدِثُ فَجوةً يَصعُب رَدمها بيننَا وبين الواقع كما هو، إلّا أنّني أرى أنّ الحكاياتَ الجيدة هي تلكَ التي تُعيننَا على بناءِ صورةٍ أكثر جلاءً للعالِم من حولنا، وتُساعِدنا على فهم أنفسنا مِنْ خِلال انعكاسها علينا، أيّ مِنْ خلالِ الأجزاءِ التي نَكتشفها في أنفسنا بفضلِها.

تُعَزِّزُ الحكاياتِ أيضًا قُدرتنا على التعاطُف ورؤية الصورةِ الكاملةِ للمواقِف مِنْ وجِهات نَظرٍ مُختلفة بدلًا مِن منظورنا الخاصّ وحَسب. فكما يَقول طاغور «إنّنا قَد نجدُ القوة التي نَبتغيها في المَعرفة، ولكنّ الرَحمة هي الجَوهر الذي يجعلُنا بَشرًا». إنّ القُدرة على فهمكَ للآخرينِ والشعور بهم حتى لو لمْ نَختبرَ الموقِفَ الذي تَعرضوا له، هي قُدرةٌ إنسانيّة يُمكن تَعزيزها مِنْ خلالِ الحكايات.

حينَ نَقرأ أو نُشاهِد عَملًا أدبيًّا عظيمًا فنحنُ على الأرجحِ نُقدِّرُه فَقط حينَ نتمَكّن مِنْ استخلاصَ جَوهرِه الفَنيّ بِقدرُتنا على رؤية ما وراءِ القِطَعة. قد نقرأ الروايات ونَشعُر أنّ بإمكانِنا سَماعَ تَكسُّرِ الحَطبِ المُشتعلِ في الموقدِ في مَشهدٍ شَتَويّ، أو حتى قَد نَسمعُ صَرير الباب حينَ يُفتح في الروايةِ التي نقرأها. إنّ تَعزيزَ هذه المَلكَة في عقولنا يمنحنا خِبرةً أعمق للعناصِر المحسوسةِ مِن حولنا في العالم، وإنّ ذلكَ لا يتِمُّ إلا بتلّقّي وسَردِ القِصص، إنّ في تَفصيل الروائيين أو القاصّين للأمورِ الصغيرة، بُعدٌ مَعرفيٌّ وجَمالي يُضافُ لخِبراتِنا.

مَن مِنّا اليوم لا يَملِكُ على الأقل صَفحةً واحدةً على أحدِ مواقِع التواصل الاجتماعي ليسردَ جزءًا مِنْ حِكايته، فما بينَ السردِ المَكتوبِ والسردِ المَرئي نَحنُ نحاول تناقُل أجزاءٍ مِن قِصصٍ نَعرِفها أو قصصٍ تَخُصنا. «ذلكَ أنّنَا نَتشَكّلُ مِنْ الحكاياتِ، لا مِنْ الجيناتِ ورموزِها» *. وقد كان في العصور الوسطى أساليب مُشابهة، فقد كُنّ الفتيات حينَ ينتقلنّ مع أزواجهنّ إلى مناطق أخرى يداومنّ على كتابة المذكرات واليوميات ومن ثم يبعثنَها إلى عائلاتهن في طريقة لسرد الأحداث ونقل الأخبار.

إنّ هذا السرد هو وسيلة بشريّة للبقاء، ودون أن يعي كثيرٌ منا، نحنُ في الحقيقة ننجو بالحكايات.

 

 _____________________________________________________

  • * من رواية “الكتب التي التهمت والدي”، أفونسو كروش

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s