هاياو ميازاكي وبرتراند راسل والبحث عن المعنى

bertrand-arthur-william-russell-3rd-earl-russell

“ثلاثة مشاعر، بسيطة لكنها غامرة، تحكمت في حياتي: اللهفة للحب، البحث عن المعرفة، والشفقة التي لا تطاق لمعاناة البشر. هذه المشاعر، مثل العواصف العظيمة، عصفت بي هنا وهناك، في مسارٍ صعب المراس، على محيطٍ عميق من الكرب، يصل إلى حافة اليأس البعيدة.”

برتراند راسل كأحد الفلاسفة الذيّن أجد نفسي في الطريقة التي يُقدّرون بها الحياة المُعاشة، والبحث الدؤوب عن المعنى، يرى أنّ هذه المشاعر الثلاثة حكمت الطريقة التي سعى أن يحيا بها. ولقد استرعى انتباهي وجود هذه المعاني في مُعظم أفلام الأنيميشن التي قام بإخراجها المخرج الياباني هاياو ميازاكي.

يُميّز أعمال ميازاكي الرمزيات التي يعتمد عليها أكثر من اعتماده على الحوارات وتقديم المعنى بشكلٍ واضح، فنجد القصة ومسار الأحداث لا تسير بشكلٍ منهجي واضح بل إنّ كل شخصية -وحسب قوله- تصنع مصيرها بنفسها، فلا يرسم خطًّا مُسبقًا لمسار الأحداث.

sp1

المعنى في الضياع

 في فيلم “المخطوفة” يقود القدر “تشيهيرو” التي كانت على طريق سفرٍ مع عائلتها إلى عالمٍ غريب وكمُعظم أفلام ميازاكي ليس هنالك تحديدٌ للزمان أو المكان الذي تحدُث فيه الأحداث، إنما هي تحدث في عالمٍ يتماهى بين الواقع والخيال.

يتضّح لنا في البداية أن ما تسبّب بهذه الرحلة كان الفضول البشري، فتتوقف عائلة “تشيهيرو” أمام نفقٍ لا يُعرف ما يوجد خلفه راغبين في استكشاف ذلك، الأمر الذي حاولت “تشيهيرو” رفضه إلا أنها لم تجد بُدًّا من اللحاق بهما.

في أحد المشاهد يتحوّلا والد ووالدة “تشيهيرو” إلى خنازير بريّة بعد تناولهما للكثير من الطعام مجهول المصدر، ما يجعلك تشعُر أنها ليست إلا رمزية لصفة “الجشع” التي تتولّد لدى الإنسان دون أن يعي بذلك أحيانًا. تبدأ القصة من هذه النقطة في الارتكاز على نقطة “الضياع”، تجد الفتاة نفسها وحيدة تائهة في عالم لا يُشبه العالم الذي تعرفه، ويُمكننا قياس هذا على حياتنا اليومية، فكثيرًا ما نجد أنفسنا نسير في طريقٍ ليس لدينا أدنى معرفة عن حقيقته أو عن الوجهة التي سيأخذنا إليها، إلا أننا نواصل السير.

قليلٌ من الحب يحلّ المُشكلة

لعلّ أكثر ما استرعى انتباهي في فيلمي “المخطوفة” و “قلعة هاول” كان الشعور الغامر بالأُلفة والحب رغم غرابة الجو العام، كان ثمّة اتصالٌ دافئ بين الشخوص التي لا تربط بينها أي معرفة حقيقية مُسبقة. فنرى كيف تآلفت “تشيهيرو” مع الأرواح الغريبة التي لا تعرف عنها شيئًا، ونجد الشخصية المُريبة “كاوناشي” أو “عديم الوجه” التي تبدو للوهلة الأولى كروحٍ تتخبط في اللاجدوى، يجد الجدوى في تقديم المُساعدة للفتاة التائهة، ورغم غرابة الشخصية والجانب البشع منها إلا أنّ المشاهد التي ظهر فيها بأُلفة وطمأنينة كانت المشاهد التي جمعته بالفتاة “تشيهيرو” التي رغب في مساعدتها. فهذه المحبة الصافية واستجداء الخير في الآخرين كما يقول “برتراند راسل” هو ما يخفف الوحدة الوجودية الشنيعة، ويصنع لهذه اللحظات الزائلة بريقها.

“يكفي أن نكون قادرين على تأمل المكان الذي نحيا فيه، وعلى أن نلتقط بالقلب المرهف صور البراءة والصّفاء في عالمنا الملوث هذا”* إنّ الحب يجعل نظرتنا للعالم أنقى، فنحنُ لا نملك القدرة على تشييد عالمٍ مثاليّ يخلو من القسوة والأنانية، بل كلما زادت قدرتنا على استيعاب البهجة زاد وعينا بعُمق الكآبة في الحياة. ولكن باستطاعتنا تخفيف رداءة العالم ونشر جمالية صافية بطاقة الحُب التي نمنحها ونقبلها من الآخرين.

“صوفي” في فيلم “قلعة هاول” تنقلب حياتها إلى جانبٍ آخر بعد أن وقعت فريسة لتعويذة “ساحرة البراري”، في البدء سنعتقد بأن “صوفي” ستسعى لاستعادة حياتها السابقة مهما كلّف الثمن، إلا أنّنا نجد أنفسنا أمام شخصية رصينة وهادئة تتقبّل غرابة العالم وتتجاهل قسوة البشر اللامُبرَرة.

بعد أن تسلك الدرب الذي لا تعرف أين سيُفضي بها، تتلقى “صوفي” الحُب على شكلِ “عصا” تُعينها على السير يُقدمها لها شخصية الفرّاعة الغريبة “رأس الفجل”.

أذهلتني قُدرة “صوفي” على ردّ الإساءة بالإحسان، على الغُفران، على اعتبار أنّ كل ما نمر به هو حدثٌ من أحداث كثيرة جيدة أحيانًا وسيئة في أحيان أخرى، طريقٌ نسير جميعنا عليه دون وجهة محددة غالبًا، نهايته محتومة إلا أنّ ما يمنح هذا الطريق معناه ليس إلا الذكريات الطيبة التي نزرعها والعلاقات الدافئة التي تربطنا بالآخرين. فلم تشعر “صوفي” حتى بالحقد تجاه ساحرة البراري, وإنما سخّرت طاقتها على بذل الحُب للذيّن أوصلها إليهم القدر بهذا الحدث الذي يبدو سيئًا في ظاهره, فكانت هذه الروابط التي تصنعها “صوفي” هي ما حوّل هذا الحدث إلى شيء جميل في حياتها. الجانب الذي وجدتُه واضحًا في مُعظم أفلام ميازاكي، هذه الروابط العميقة التي تنشأ وتنمو في تجاربنا وتجعلها أقل حِدة وأكثر إشراقًا.

sp

السعي الدؤوب نحو المعرفة

“تمنيت أن أفهم قلوب البشر، تمنيت أن أعرف لماذا تلمع النجوم” يرى راسل أنّ شغفه بالمعرفة من أهم الأمور التي منحت الحياة معناها بالنسبة له، فإن إدراك الإنسان لوجود الكثير من الأمور الغامضة في هذا الكون التي لا يعرف عنها شيء يولّد الرغبة والفضول في محاولة الاستكشاف والمعرفة، فتُصبح هذه الرغبة للعثور على الإجابات ولذّة المعرفة دافعًا يُساعدنا على الاستمرار في الحياة.

نرى ذلك في سعي “تشيهيرو” لفهم العالم الذي رُميت فيه واكتساب هذه المعرفة من الانغماس في التجارب التي كوّنت وعيًّا مكّنها في النهاية من إدراك جدوى الحياة حيثُ كان جليًّا التطور الذي حدث لشخصيتها في المشهد الأخير وهي تودّع باسمة العالم الغريب الذي شكّل جُزءًا من فهمها للعالم الأوسع. ونجد بنفس القدرِ تتولّد الرغبة لدى “صوفي” في معرفة حقيقة ما يحدث داخل “قلعة هاول” ومحاولتها لتفكيك ماضي هاول ومعرفة غموضه لتتمكن من مساعدته.

فإننا حين نسعى للمعرفة، نمتلك الشجاعة للمُضي، نمتلك الأسباب الكافية لخوض المغامرات ومحاولة تشريح التساؤلات وجمع الأجزاء المتفرقة حتى نُكمل الصورة.

الشفقة والتوق إلى تخفيف الشرّ

إن الشفقة والتُعاطف من المشاعر التي تجعل من الإنسان إنسانًا، لطالما كانت هذه المشاعر الموغلة داخلنا في العمق هي ما يجعلنا نرجع إلى إنسانيتنا بالرغم من أنها وعلى النقيض من المشاعر المُبهجة، تُخلّف صدعًا داخلنا وتجعلنا في مواجهة حقيقة أننا -في أحيان كثيرة- نعجز عن تحسين أوضاعنا وأوضاع الآخرين ولا يُمكننا سوى بذل القليل من المُساعدة.

هذا ما وجدته جليًّا في أفلام ميازاكي، فليس هُناك شرٌّ محض يجب القضاء عليه، ولا انحيازٌ تام لجانبٍ عن سواه، ولكنّك تشعر بحيادية العالم الذي أمامك والتعاطف الذي يتولّد بين الشخصيات وأيضًا ستجده يتولّد في داخلك بتقدّم الأحداث ومعرفتك لحقيقة الأرواح التي بدت لك في الوهلة الأولى لا تستحق التعاطف.

في النهاية فإن راسل وميازاكي يلتقيان في فكرة أنّه يقع على عاتقنا منح الحياة معناها وجعلها تستحق أن تُعاش، ففي إحدى مقابلات ميازاكي صرّح بأنه ينظر للعالم بتشاؤمية أحيانًا إلا أنّ الحياة في النهاية تستحق أن تُختبر، وهذا ما يُريد صنع أفلامٍ عنه. كما قال راسل أيضًا أنه لو مُنحت له الفرصة مُجددًا ليعيش الحياة نفسها فسوف يحياها ويرى أنها تستحق أن تُعاش.

________________________________________________

  • من رواية “وسادة من عشب” ناتسومي سوسيكي